التكلفة العاطفية

لا تكتمل البصيرة بكشف نوايا الناس، بل تبدأ بمواجهة الذات؛ فمن أدرك حقيقته عرف كيف يمنح قربه، وكيف يصون سلامه ممن يؤذيه

يُحكى أنه في ليالي الشتاء الباردة حين تتجمد أطراف الغابة تقترب القنافذ من بعضها بحثاً عن دفء يبقيها على قيد الحياة لكنها كلما اشتد اقترابها ورغبت في الاحتواء وخزت أشواكها الحادة أجساد بعضها فتبتعد خوفاً من الألم وعندما يصيبها البرد تعود للتقارب من جديد وبعد محاولات متكررة ينزف فيها الجسد تكتشف القنافذ أنها لا تستطيع نزع أشواكها التي خلقت بها ولا تقدر على إلغاء حاجتها الفطرية للدفء وهنا تعلمت أن وضع الحدود يخلق المساحة الذكية التي تمنحها الدفء الذي تحتاجه دون أن تحدث الجراح التي تؤذيها

وربما لا نختلف كثيراً عن تلك القنافذ فنحن لا نولد مستغنين عن بعضنا بل خلقنا بفطرة تدفعنا نحو الانتماء والمودة والبحث عن قلوب نضع عندها أثقالنا نركض نحو العلاقات بلهفة ورغبة صادقة في بناء صداقة حقيقية تمنحنا الأمان لكن الجرح يبدأ حين يغيب الوعي فتختلط محبتنا بالتعلق ورحمتنا بالاستنزاف وتسامحنا بالتنازل حتى نجد أنفسنا نمنح فوق طاقتنا وننتظر ممن نحب ما لا يقدر على تقديمه فننكسر

إن المأساة ليست في أن نقترب من الناس ولا الحكمة في أن نبتعد عنهم ونبني أسواراً حول قلوبنا بل تكمن في غياب البصيرة التي تعتبر القوة الخفية التي تضبط المسافة بين القلب والعقل البصيرة هي ليست ذكاء اجتماعي ولا دهاء في تحليل الخدع بل هي نور في القلب ووعي في العقل يمنحنا القدرة على قراءة الدوافع قبل محاكمة الأفعال وأن نفهم أن كل موقف يمر بك لا يكشف طباع الآخرين فحسب بل يزيح الستار عن أعمق المساحات المظلمة داخل نفسك أنت.

وقد تجلت هذه الحقيقة في سِيَر الأنبياء عليهم السلام، وهم أعظم الناس بصيرة وفهمًا لطبائع النفوس؛ فقد واجهوا خيبات الأقربين قبل الأباعد، لكن بصيرتهم حالت دون أن تتحول جراحهم إلى أحقاد أو كراهية. فهذا نبي الله يعقوب عليه السلام، حين فُجع بفَقد ولده يوسف وتآمر إخوته، يأتونه بقميصٍ ملطخٍ بدمٍ كذب، فلم تُعْمِهِ عاطفة الأبوة عن قراءة الحقيقة، ولم يغرق في إنكار الواقع، بل قال ببصيرة المؤمن الصابر: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. لقد أدرك حقيقة الموقف دون أن يكسر قلبه الشك، ودون أن يقطع أمله في رحمة الله.

والحقيقة التي يجب أن نعترف بها هي أن البصيرة لا تُولد في البدايات المفروشة بالورد، فلا أحد منا يبدأ حياته بقلب خبير أو بوعي مكتمل. ندخل الحياة بقلوب بيضاء، نثق بلا حدود ونمنح بلا حساب، حتى تأتي التجربة. ندفع ثمن نيتنا الطيبة من طمأنينة أيامنا ونوم ليالينا وأجزاء غالية من سلامنا النفسي. وهنا تحديدًا تنكشف حقيقة البصيرة بوصفها ثمرة التكلفة العاطفية؛ فالألم في العلاقات ليس حادثًا مجانيًا، وكل جرح نمر به يضعنا أمام مفترق طرق لا ثالث لهما: إما أن نسلم ألمنا للمرارة فتتحول الخيبة إلى قسوة وتغلق قلوبنا بأقفال الشك، وإما أن نرفع ألمنا إلى مرتبة الوعي فتتحول كل دمعة إلى نور وكل خيبة إلى بصيرة تُعيد تشكيل أرواحنا من جديد.

نحن نخطئ كثيرًا عندما نظن أن الإنسان البصير هو الشخص الحذر الذي يحلل كل حركة وكلمة حوله، فهذا ليس بصيرة بل قد يكون نوعًا من الخوف أو الدفاع النفسي. إن البصيرة رحلة تبدأ من الداخل لا من الخارج، لأن الرؤية المشوشة لذاتك ستجبرك حتماً على رؤية مشوشة لكل من حولك، إذ إننا لا نرى الآخرين كما هم دائمًا، بل نراهم عبر عدسة احتياجاتنا وجراحنا القديمة؛ فقد نرى السيطرة حماية لأننا نخشى الضياع، وقد نرى الاعتمادية المرضية احتواءً لأننا نخشى العزلة، وقد نرى الاستغلال وفاءً لأننا نجوع للتقدير.

ومن هنا تتبدى البصيرة في جوهرها بكونها القدرة على إدراك حقيقة الذات وحقيقة الآخر وحقيقة العلاقة بينهما، دون أن تُزيف الرغباتُ الواقع ودون أن تخدعنا عواطفنا المندفعة. البصيرة ليست أن تعرف كيف يفكر الآخر، بل أن تفهم لماذا سمحت له بأن تؤذيك، ولماذا انجذبت إليه من البداية، وما الذي كنت تبحث عنه في عمق تلك العلاقة ولم تجده في نفسك. إنها المرآة الصادقة التي تجعلك تتوقف عن مراقبة الآخرين لتلتفت إلى روحك، مدركًا أنك قد تنجو من شخص مؤذٍ في حياتك، لكنك لن تنجو أبدًا من تكرار السيناريو ذاته مع أشخاص مختلفين إلا إذا استنارت بصيرتك وعرفت قيمة نفسك، فالبصيرة ليست نافذة نطل منها لنحاكم العالم، بل هي نور نضيء به حتمية العودة إلى ذواتنا لنستريح.

التعليقات مغلقة.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑