الظل الصامت

هل نحن نرى العالم كما هو؟ أم كما نحن نراه؟

سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يهزّ أعماق الوعي الإنساني حين نحاول الإجابة عليه.

فكل إنسان يعيش داخل عدسةٍ خفية يرى من خلالها الحياة، عدسة صيغت من معتقداته وتجارب طفولته، وذاكرته، وخوفه واحتياجاته.

ومن خلالها يعيد تفسير كل ما يحدث حوله، فيرى ما يتوافق مع منظومته الداخلية، لا بالضرورة ما هو موجود في الواقع.

المعتقد ليس فكرةً عابرة تمرّ في الذهن، بل هو الهيكل الخفي الذي تُبنى عليه نظرتنا للحياة، إنه الفكرة التي استقرّت في عمق النفس حتى صارت بوصلة للرؤية والتفاعل؛ توجّه إدراكنا قبل أن ننتبه، وتحدّد تفسيرنا قبل أن نحكم، وتصوغ مشاعرنا دون أن نعي أننا نستمدها منها فكل إنسان لا يرى الحدث كما هو، بل كما تشكّلت عدسته الداخلية التي كوّنها عن نفسه والآخرين والحياة.

فمن تربّى على النقد المستمر يرى العالم محكمةً كبرى ينتظر فيها الحكم عليه، ويتعامل مع الخطأ وكأنه جريمة تستوجب الدفاع أو التبرير، بينما من تربّى على القبول والتشجيع يرى في الخطأ فرصةً للتعلّم، وفي الحياة مجالًا للنمو لا للمحاسبة، كلاهما يمرّ بالموقف ذاته، لكن تجربتهما الداخلية عالمان مختلفان تمامًا ولهذا قال الله تعالى في آية من أعمق آيات: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: 84].
أي أن الإنسان يتصرّف وفق طبيعته ومعتقده ووعيه الداخلي؛ فهو لا يعمل بما يرى بعينه فقط، بل بما تشكّل في باطنه من تصوّرات عن الخير والشر، والعدل والظلم، والذات والآخرين إنها “الشاكلة” التي تصوغ الفعل قبل حدوثه، وتوجّه المعنى قبل الكلمة.

حين يترسخ المعتقد، يتحول تلقائيًا إلى قيمة تُوجّه السلوك وتعبّر عن البنية الداخلية للفرد فالإيمان بأن العدل قيمة عليا يولّد سلوكًا يميل إلى الإنصاف حتى في التفاصيل الصغيرة، بينما الاعتقاد بأن الرحمة ضعف ينتج قسوةً مقنّعة باسم القوة، والقناعة بأن الحياة صراع تصنع شخصياتٍ دفاعية تعيش في توترٍ دائم وهكذا تصبح القيم انعكاسًا حيًا لما نؤمن به، لا لما نُعلن عنه، فالقيمة لا تُلقَّن بل تُستنبَت من الفكرة العميقة التي نحملها عن الوجود ولهذا ربط القرآن بين الإيمان والعمل، بين الفكرة والسلوك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: 3]

فالإيمان الحق ليس فكرةً في الذهن ولا شعورًا عابرًا في القلب، بل منظومة فكرية وجدانية تُثمر عملًا وسلوكًا يعكسها في الواقع وحين نرى سلوكًا مضطربًا أو متناقضًا، فإن أول ما نميل إليه هو محاولة تهذيبه من الخارج؛ نوجّه، نلوم، أو نحاول إعادة ضبط المظهر، لكن السلوك لا يُعالج بالطلاء، لأن ما يظهر على السطح ما هو إلا ظلٌّ لما يسكن العمق فالجذر الحقيقي لكل سلوك هو الفكرة التي أنبتته ( المعتقد ) فما لم يُعاد النظر في المعتقد الأصلي، سيبقى السلوك يتكرر مهما تغيّر شكله، لأن الإنسان لا يعيش بما يفعل، بل بما يظنّ أنه صواب، فالسلوك في جوهره أثر الفكرة حين تتحرك في الحياة، إنه اللغة التي ينطق بها المعتقد دون كلمات، والترجمة الصامتة لما يؤمن به الإنسان عن نفسه والعالم.

فالعطاء المفرط قد لا يكون كرمًا خالصًا كما يبدو، بل محاولةً عميقة للبحث عن القبول.

والغضب الذي يتفجر في المواقف قد لا يكون سوى دفاعٍ عن جرحٍ قديم لم يُلتئم بعد

أما الصمت الطويل فربما ليس هدوءًا، بل خوفًا من الفقد أو رغبةً في النجاة من الرفض.

كل سلوك نحمله في حاضرنا هو رسالة من معتقدٍ قديم لم نلتفت إليه بعد: خوفٌ لم يُشفى، أو قناعة لم تُختبر، أو حبٌ لم يُفهم على وجهه الصحيح، وحين نحاول فهم هذه الرسائل دون حُكم أو مقاومة، نبدأ في سماع اللغة الحقيقية لذواتنا، فالعلاج لا يكون في مقاومة السلوك، بل في فهم المعنى الذي يحمله، في الإصغاء إلى الفكرة التي تحاول النفس قولها بالفعل لا بالكلام.

الوعي لا يعني أن نفهم الآخرين، بل أن نفهم كيف نفكر نحن عنهم، أن نرى العدسة التي ننظر بها قبل أن نحكم على الصورة التي نراها ولتحقيق ذلك علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل ما أراه هو الواقع كما هو؟ أم هو ما سمح لي معتقدي أن أراه؟

في تلك اللحظة، تنفتح نافذة الوعي ويتحرر الإنسان من المعتقدات التي صنعها بنفسه، لأنه يبدأ بمراجعة الفكرة بدل تكرار السلوك، ينتقل من الدفاع إلى الفهم، ومن ردّ الفعل إلى الاختيار الواعي وهنا تتجلّى سنّة التغيير الإلهية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فالتغيير الخارجي لا يتحقق إلا حين يُراجع الإنسان ما في داخله من تصوّرات، لقد ربط الله إصلاح الواقع بإصلاح الباطن، لأن الفكر إذا تطهّر، تطهّر السلوك تبعًا له، والقلب إذا استقام، استقامت معه الحياة كلها.

إن أعظم حريةٍ يمنحها الوعي للإنسان هي أن يدرك أن العالم لا يتغيّر حين تتبدّل الظروف، بل حين يتبدّل هو، حين تتغيّر العدسة التي يرى بها الحياة، فما العالم إلا انعكاسٌ لداخلنا، وما نراه في الآخرين مرآة لما نحمله في أنفسنا من ظنون وتجارب وتاريخ.

وحين نُبدّل عدستنا الداخلية، لا يتغيّر الواقع بقدر ما تتغيّر تجربتنا فيه، لأننا نراه أوضح، أرحم، وأكثر اتساعًا.
وفي تلك اللحظة، يبدأ الإنسان بالعودة إلى فطرته الأولى فطرة السلام
فحين يُصغي إلى ظله الصامت، يكتشف أنه لم يكن يعيش العالم كما هو، بل كما رسمته عدسته الداخلية.
وهناك، عند أول نظرة صادقة إلى ذاته، تنطلق الرحلة الحقيقية نحو الحرية
الحرية من الخوف، ومن التكرار، ومن السجن الذي بناه بنفسه دون أن يدري

التعليقات مغلقة.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑