حين يشتعل النور في عيون من لا يحتملونه

قيل قديمًا: “اتقِ شرّ من أحسنت إليه”.
الإحسان نور يضيء القلوب، لكنه قد يُرى حريقًا في عيون من لا يحتملونه عبارةٌ طالما اعتبرناها منزوعة الرحمة، متطرفة في الظن، لكنها – ويا لمرارة التجربة – غالبًا ما تكون أكثر الجمل صدقًا عند من أُحرِقوا بنار الإحسان في قلوب لا تطيقه، بعض القلوب لا تحتمل الضوء، لأنها اعتادت الظل.

دعوني أحكي لكم قصة امرأة أحبت بقلبها، وأعطت بروحها، لكنها اكتشفت أن نورها قد يحرق من لا يستحقه، هذه حكاية زوجة أحسنت فأُحرِقت، لكنها تعلمت أن إحسانها لم يضع، وأن مصيرها بيدها

ميثاق الزواج ونور الإحسان
كانت امرأة متدينة، قلبها معلق بالله، ترى في الزواج ميثاقًا مقدسًا، كما قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]. أحبت زوجها حبًا عميقًا، وأفنت أيامها في بناء بيت دافئ وأسرة متماسكة تزرع الحب في قلوب أبنائها، وتسقي أيامهم بالصبر والعطاء إحسانها نورًا يغمر بيتها، يعلّم أبناءها الكرم، ويمنح أسرتها السكينة، كما وعد الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21].

لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن اكتشفت خيانة زوجها، فكأن سهمًا اخترق قلبها فتح لها تساؤلات كيف يخون من أعطته كل شيء؟ كيف يرد على نورها بالظلمة؟ المشاكل اشتعلت كالنار، لكن إيمانها كان أقوى. تذكرت قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، فاختارت المسامحة تنازلت عن ألمها، ووافقت على العودة بعد أن وعد زوجها بالوفاء، آمله أن يحفظ إحسانها أسرتها.

عودة النور وتكرار الخيانة
عادت الزوجة بقلب مفتوح، كأنها شمعة تضيء من جديد أخذت وقتًا لتعيد بناء الثقة، واستمرت في إحسانها، ترعى أبناءها وتسند زوجها، كانت تؤمن أن صبرها سيصلح ما انكسر، وأن عطاءها سيبقى درعًا لأسرتها، إحسانها لم يكن للزوج وحده، بل كان لبيتها، لأبنائها، لإيمانها أنه هي مصدر السعادة هذه الاسرة، وأن كل لحظة استقرار في بيتها، هو ثمار النور الذي بداخلها والذي سكبته بمزيج من العفو والتسامح .

لكن الزوج عاد للخيانة، ولم يكتفِ بذلك، بل أضاف معاملة سيئة جرحت كرامتها كأن نور إحسانها أحرق قلبه بدلًا من أن يضيئه أدركت حينها أن إحسانها استُغل، وأنها أعطت قلبًا لا يعرف قيمة العطاء وقفت أمام مرآة روحها، وتساءلت: هل إحساني خطأ؟ لكنها سمعت صوت إيمانها يجيب: إحسانك نور، لكنه وقع في يد من لا يستحقه.

مكاسب الأبناء والأسرة
رغم الألم، ترك إحسان الزوجة أثرًا لا يُمحى في ابناءها فقد نشأوا في بيت يفيض بالحب والصبر، تعلموا من أمهم الكرم والقوة فكانت قدوه ومثل يحتذ به كل لحظة أعطتها كانت بذرة زرعتها في قلوبهم، ستثمر يومًا رجالًا ونساءً يحملونا أسرتها، رغم التحديات، وجدت في إحسانها درعًا من الشتات واستقرار البيت الذي حافظت عليه كان هدية لأبنائها، تذكّرنا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: 22]. إحسانها لم يذهب سدى، بل بنى أساسًا قويًا لأسرتها، حتى لو لم يقدّره الزوج .

الطلاق ليس الحل الوحيد
لم تُسرع الزوجة إلى الطلاق، لأنها تعلم أن الشرع يحث على الإصلاح قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنَهُمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] صبرها وإحسانها كانا محاولة للحفاظ على الأسرة، لأجل أبنائها، ولأجل ميثاق الزواج لكنها أدركت أن الصبر لا يعني تحمل الظلم إلى ما لا نهاية والشرع يعطيها الحق في اختيار ما يحفظ كرامتها، دون أن يكون الطلاق الحل السريع والتلقائي بل إن استحال الإصلاح، فهي من تقرر مصيرها.

مصيرها بيدها
قررت الزوجة ألا تتحمل الظلم ووقفت شامخة، مدركة أن إحسانها كان قوة، لكنه علمّها درسًا: أن تختار من يستحق نورها هي من تملك زمام حياتها، سواء بالصبر على الإصلاح أو بالمضي قدمًا بحياة تحفظ كرامتها. قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] هذه الآية تذكرها أن كرامتها جزء من إيمانها، وأن مصيرها بيدها وان الانتصار لا يعني الفوز بالحرب بل السلم قد يكون هو الحل.

حكمة الشرع في إحسانها
الشرع علّمنا أن الإحسان له أهل وتوقيت قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264]، ليذكّرنا أن العطاء يحتاج إلى حكمة وقال النبي ﷺ: «المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين» [البخاري ومسلم]، ليحثنا على التعلم من تجاربنا، إحسان الزوجة كان طاعة لله، لكنها تعلمت أن العطاء لغير المستحق قد يُهدر، قرارها بحماية كرامتها ينسجم مع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42].

التجربة علمّتها

في البداية، كانت تعتقد أن إحسانها يجب أن يكون بلا حدود، حتى لو كلفها سعادتها وراحة بالها لكن الخيانة الثانية أيقظتها أدركت أن العقل يحتاج إلى إعادة تشكيل ليُحسن بحكمة بدأت تُعلّم نفسها:

  • أن تُحسن لله، لا لانتظار المقابل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264].
  • أن تختار من يستحق نورها، مسترشدة بحديث النبي ﷺ: «المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين».
  • أن كرامتها جزء من إيمانها، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
  • أن تتوكل على الله، فهو حسبها، كما وعد: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
  • عطاؤها لا يضيع عند الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120].

رسالة حب

إحسانكِ لم يذهب سدى
إحسانكِ لم يكن ضعفًا، بل قوة بُنيت على أساس متين

هو الذي أسّس بيتكِ، وأضاء قلوب أبنائكِ بلمسةٍ دافئة، لا تُنسى
لم تخسري شيئًا…

بل ربحتِ ما هو أثمن: ربحتِ الحكمة التي لا تأتي إلا مع التجربة

الطلاق؟ ليس الخيار الوحيد، ولا النهاية

مصيرك بيدكِ، في قدرتكِ على أن تختاري، وتقرّري، وتمضي قدُما
أحسني، ولكن بحكمة. امنحي، ولكن بوعي

واصلي عطائك، حتى إن ضاقت بك الظروف، فقط غيّري الوجهة لا القلب

اختاري من يستحق نورك، من يراه نعمة لا عبئًا

واطمئني…
ما عند الله لا يضيع، بل يُخبّأ لكِ، ويُدَّخر عنده، لأجلكِ، بكرمه الذي لا يُحد.

التعليقات مغلقة.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑