الأمهات المثاليات

تكريم للعطاء في ظل التوازن

تتجدد في قلوبنا مشاعر الامتنان والحب لأمهاتنا، اللواتي يمثلن رمزًا للعطاء والتضحية امهاتنا وقد أكد ديننا الحنيف على أهمية دور الأمهات في تربية الأبناء وتأثيرهن في مجتمعاتهن، مصداقًا لقوله تعالى: “وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ” 1 (لقمان: 14).  

ومن منطلق الاعتدال، يهدف هذا المقال إلى التأكيد على أهمية إيجاد توازن صحي بين واجبات الأم تجاه أسرتها وحقوقها في تحقيق ذاتها واستقرارها النفسي، بعيدًا عن أي إفراط أو تفريط.

بدأ الاحتفال الأم في الشرق الأوسط من مصر، حيث قامت إحدى الأمهات بزيارة الصحفي الراحل مصطفى أمين في مكتبه وقصت له قصتها، إذ أصبحت أرملة ولديها أطفال صغار، فكرست حياتها من أجلهم حتى تخرجوا من الجامعة وتزوجوا واستقلوا بحياتهم، وانصرفوا عنها تمامًا. وبعدما كانت تترقب رد الجميل لعطائها، صُدمت بالنكران والإهمال والخسارة.

فكتب مصطفى أمين وعلي أمين في عمودهما الشهير “فكرة” يقترحان تخصيص يوم للأم ليكون بمثابة يوم لرد الجميل والتذكير بفضلها.

ومن هذا المنطلق، سأتحدث في مقالتي عن العطاء المتوازن الذي يجعل لحياة الإنسان قيمة وأهمية، وهذا ما يحدث مع كثير من الأمهات، إذ تمر عليهن الأيام والشهور والسنوات وهن يقدمن العطاء بحكمة واعتدال، يربين الأبناء، ويهتممن بالزوج والأسرة، مع مراعاة احتياجاتهن الشخصية، إنهن يلتزمن بواجباتهن ومسؤولياتهن، ويقدمن مصلحة أسرهن في إطار من التوازن، وينشرن الحياة والأمل والحب والسعادة دون إفراط، ويتكيفن مع الظروف والضغوطات بحكمة وصبر.

ما أعظمكن أيتها الأمهات! لم تكن الجنة تحت أقدامكن من فراغ، فرغم ما تشعرن به من إحباط ويأس ورغبات، إلا أن الأمل يتجدد في عيون أبنائكن واسرتكم، كم من ليلةٍ سهرتِ يا أمي، وكم من دمعةٍ ذرفتي، وكم من جهدٍ بذلتي، لتنعمي علينا بالراحة والسعادة؟

لقد تشكلت في وجدان الأمهات، عبر مسيرة الزمن، قناعات عميقة وتصورات سامية، منبثقة من فطرتهن النقية وقلوبهن الرقيقة، رسخت هذه القناعات في ثقافتنا المجتمعية فكرة تكريس الذات في سبيل الأسرة، ولكن يبقى الاعتدال هو جوهر الأمومة الحقيقية، حيث يتجلى التوازن بين العطاء المتفاني والحفاظ على الذات.

غالبًا ما تتجاهل الأمهات حاجتهن الأساسية للتوازن في حياتهن وذلك لعدم تلقيهن توجيهًا واضحًا حول كيفية إدارة حياتهن الشخصية كأفراد، دون أن يتعارض ذلك مع دورهن الفعال في الأسرة كما لم يتم تعليمهن مهارات المواءمة بين طموحاتهن الشخصية وتطلعات أسرهن ونتيجة لذلك، يفتقدن إلى التوازن النفسي والاجتماعي، وإن تحقيق الأم لذاتها يجب أن يتم في إطار الحفاظ على استقرار الأسرة وتماسكها، فالعلاقة بين الأم وأسرتها هي علاقة تكاملية، وليست علاقة تناقض.

ومع مرور العمر، تستيقظ بعض الأمهات على حقيقة مؤلمة: فراغٌ لم يكن في الحسبان، بعد أن وهبن سنوات عمرهن لأبنائهن وأسرهن. يتساءلن بحسرة: كيف غاب عنهن حق الحياة بأحلامهن الخاصة، وكيف لم يدركن أهمية السعي لتحقيق ذواتهن؟

فالإنسان يسعى بطبيعته لتحقيق ما يصبو إليه، والأم إنسانة لها أحلامها التي تستحق أن تسعى لتحقيقها، دون أن تتجاهل دورها الأساسي في الأسرة. ولم يعين بأهمية دور الأسرة تجاههن، كما هي حاجة الأسرة إلى وجودهن المؤثر، إن الأم السعيدة والمستقرة نفسيًا هي الأكثر قدرة على تربية أبناء صالحين والمساهمة في بناء أسرة سعيدة ومستقرة.

إن العطاء المفرط، الذي يستهلك طاقة النفس ويغفل عن تحقيق الذات، قد يتحول إلى عبء ثقيل، ليس فقط على الأم، بل على من حولها أيضًا، فالعطاء الذي لا يعرف حدودًا قد يجعل الآخرين يعتادون على الأخذ دون تقدير، مما يقلل من قيمة هذا العطاء في نظرهم، وهذا الأمر قد يؤدي إلى إهمال الأم لاحتياجاتها الشخصية، مما يؤثر سلبًا على صحتها النفسية والجسدية، وعلى قدرتها على أداء واجباتها الأسرية بكفاءة، ومن المنطقي أن نتساءل: كيف يمكننا أن نمنح الآخرين ما لا نملكه لأنفسنا؟ فالعطاء الحقيقي ينبع من نفسٍ راضيةٍ ومستقرة، قادرةٍ على الموازنة بين احتياجاتها واحتياجات من حولها.

إن الأم التي توازن بين العطاء لنفسها وللآخرين هي خير نموذج لأبنائها، فهي تعلمهم عمليًا كيف يكون الاحترام متبادلًا، وكيف يكون العطاء قيمة نبيلة لا تستنفد النفس، بل تثريها. فعندما يرى الأبناء أمهم تهتم بنفسها، وتسعى لتحقيق أحلامها، وفي الوقت نفسه، تقدم العطاء بحب وتفانٍ لأسرتها ومجتمعها، يتعلمون أن العطاء الحقيقي لا يعني التضحية بالذات، بل يعني التكامل بين احتياجات الفرد واحتياجات الآخرين.

وهكذا، تكتسب الأم مهارةً في التعامل مع الآخرين، وتورثها لأبنائها، فيتعلمون كيف يقدمون الاحترام والعطاء دون إفراط أو تفريط، وكيف يوازنون بين حقوقهم وحقوق الآخرين، ويتعلمون أن العطاء ليس مجرد فعل خارجي، بل هو قيمة داخلية تنبع من نفسٍ راضيةٍ ومستقرة، قادرةٍ على بناء علاقات صحية ومثمرة مع الآخرين.

فكلما أُشبعت هذه الاحتياجات بتوازن واعتدال، ستصبحين أيتها الأم سعيدة وبصحة نفسية جيدة، وستكون أسرتك بخير مهما كانت الظروف والضغوطات. ومن الضروري أن نحافظ على التوازن بين الأخذ والعطاء، لا إفراط ولا تفريط، أدي واجبك الأسري واهتمي بنفسك. إن تحقيق السعادة والاستقرار النفسي للأم لا يتعارض مع دورها الأساسي في تربية الأبناء ورعاية الأسرة. بل على العكس، إن الأم السعيدة والمستقرة نفسيًا هي الأم الأكثر قدرة على أداء واجباتها الأسرية بكفاءة وفعالية.

إلى كل أمٍّ، يا منبع الحنان والأمان، يا رمز العطاء والتضحية، لكِ منا كل الحب والتقدير والاحترام.

تم نشر مقال بروفايل

https://profilenews.net/?p=555975

التعليقات مغلقة.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑